أردوغان والاخوان.. تركيّة لا عثمانية

[caption id="attachment_55226445" align="aligncenter" width="620" caption="المشير طنطاوي يستقبل أردوغان في القاهرة"]المشير طنطاوي يستقبل أردوغان في القاهرة[/caption]

الإسلاميون في مصر، بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، ظلوا يدَّعون تبنيهم للدولة المدنية، دولة الحقوق والواجبات، و يقدِّمون الاجتهادات التي تنفي عنهم شُبهة الدولة الثيوقراطية "الدِّينية"، في محاولة لطمأنة الأقليات في مصر والمجتمع الدولي، لم يكتف الإسلاميون بنفي الدولة الدينية عنهم، بل كانوا يؤكدون أن الاجتهادات المعاصرة تجعلهم الأقدر على رعاية المدنية في دولة مثل مصر، ويستشهدون بالنموذج التركي بإعجاب وإجلال كبيرين، لذلك أتت تصريحات حليفهم المفترض صادمة جدًا، وهو يدعوهم إلى العلمانية، التي تضمن حرية الأديان.

يشير الباحثون إلى أن هذه الصدمة تعزز الاختلاف الكبير بين النموذج الإسلاموي التركي و النموذج الإخواني المصري، وهو اختلاف أملاه التاريخ المتباين، والبيئة المغايرة التي خرجت منها الأحزاب التركية، والعملية التحديثية التي عاشتها المبادئ والقيم المكونة للفرد التركي لتُصاغ وفق الهوية القومية، بينما لازالت الإسلاموية المصرية في مراحل المراجعات الأولى، ولما تختبر تجربة السلطة، ولزالت تَبنِي الكثير من رؤاها على فرضيات.
[caption id="attachment_55226455" align="alignleft" width="300" caption="راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الاسلامية على رأس مستقبلي أردوغان في تونس "]راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الاسلامية على رأس مستقبلي أردوغان في تونس [/caption]
إلا أن هذه الاختلافات لا تنفي تشارك النموذجين في النفس الدعوي، والتكتيك السياسي، فقد نجح جيل أردوغان السياسي في تركيا بتبنيه لأجندات سياسية واقتصادية نافست لاجتراح برامج خدمية للشعب، ولم تنغلق في الخلاف المبدئي حول علمانية الدولة، ولكنها انداحت في براحات العمارة والبناء، ولم تتكلس في فقاعات سياسية، و سواء كان ذلك الاندياح والانعتاق أصيلاً أو عملاً تكتيكيًا فقد أثمر في تركيا إلى الآن نموذجًا أفضل من غيره.

النموذج الذي يفرض نفسه على الساحة السياسية العربية ويعبر عنه أردوغان الآن هو نموذج تركي بالدرجة الأولى، يحاول جني ثمار دعمه للربيع العربي، ويستثمر اقتصاده القوي لتعزيز وجوده في الشرق الأوسط الجديد، بخاصة وأن دول الربيع العربي تعيش صيفًا اقتصاديًا مخيفًا، فالاستثمارات التركية في مصر حينما تتضاعف ثلاث مرات، تعني أن النفوذ التركي في مصر تضاعف، فوجود أردوغان في الشرق الأوسط لا علاقة له بالعثمانية وأحلام الخلافة، بل وجوده تركي علماني بامتياز، ولا يهم كيف يستقبله العرب: "كإمبراطور" أو خليفة أو حليف ما دامت مصلحة شعبه وبلده تتقدمان.

سواء خرج الإسلاميون في مصر من هذه الصدمة، عبر إعادة تأويل كلام أردوغان ليكون يتحدث عن علمانية أخرى أو مدنية أخرى غير التي يعرفون، أو لم يخرجوا من صدمته، لن يكون ذلك مهمًا جدًا، إلا أنّ الأهم من خروجهم من الصدمة، هو أن تتنبه مصر إلى أن الدولة لا تبنيها المطاحنات الإيديولوجية، والإسهاب في الفرضيات، وهي ليست معتركًا للجهاد، بل تبنيها الجهود التي توجه إلى التنمية، وتُدعّم الاقتصاد، وتهتم بالوحدة الوطنية عبر تعزيز الحريات، والتساوي في الحقوق والواجبات، وإعلاء هوية مصر على غيرها، ومصلحة مصر على غيرها، ولهم في أردوغان أسوة حسنة، فهو عرّج على مصر، واليوم هو في تونس، لمصلحة تركيا.