المفكر السياسي طارق حجي: نجحنا في إنهاء تنظيم الإخوان ولكن المعركة طويلة للقضاء على فكرهم

قال لـ «المجلة»: السعودية أكثر رغبة في تجديد الخطاب الديني من مصر
في مكتبته الخاصة

حلّل العقل العربي والمصري، وأشار إلى عيوبه، وحاول مرارا وتكرارا أن يدلّهم على طريقة نشر قيم الحداثة والتقدّم والديمقراطية، مناصرا لحقوق المرأة لأقصى حدود، فهي في نظره ليست نصف المجتمع وحسب، بل هي أمّ النصف الثاني ومربيته، يرى أنّ الخلاص الوحيد لتقدّم المجتمع العربي ورقيه، هو عبر فصل الدين عن الدولة، وتجديد الخطاب الديني، وتنوير الفكر العربي عبر التعليم والتوعية ونشر الثقافة المجتمعية.

هو الكاتب والمفكر الليبرالي المصري الدكتور طارق حجي، خبير السياسات البترولية، الذي يؤيد تركيز الجهود على الإصلاح الاقتصادي والسياسي والثقافي والتعليمي بمصر والشرق الأوسط للارتقاء بالمجتمع.

هو أحد رموز التيار الليبرالي المصري، الذي يرى أن سيطرة الإخوان المسلمين على الحكم في بلده لم تكن نقمة بل كانت نعمة إلى حدّ ما، لأنّها كشفت عن الوجوه الحقيقية لأتباع هذا التنظيم الذين حكموا مصر. كما أنّه يرفض المبالغة والغرق في نظرية المؤامرة ويعتبرها من المشاكل الثقافية التي تحتاج إلى ثورة تغيير. يدعو طارق حجي إلى حل سياسي عادل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي لتتفرغ دول المنطقة لعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

وهنا حوار لـ«المجلة» عن أبرز قضايا المنطقة مع الدكتور طارق حجي:

 

* نحن أمام رجل استثنائي، كيف استعطت أن تجمع كل هذه التناقضات واستطعت أن تنجح أينما حللت؟

- أنا أحب وأعشق ما أعمل، وأعطيه كل كياني، بمعنى أنني لا أقوم به بشكل جانبي، مثلا عندما أقرأ، أعطي حياتي للقراءة وأيضا عندما أكتب أعطي حياتي للكتابة. في البداية دخلت شركة بترول وتعليمي لا علاقة له بالبترول أصبحت رئيسا لهذه الشركة مع أن دراستي كانت العلوم الاجتماعية، وزملائي كانوا من حملة الدكتوراه في الهندسة والفيزياء.

وفي نفس الوقت لا أعرف أن هذا من حسن حظي أو من سوء حظي، أن معظم الناس مشغولة بالمال، إنما أنا لا يشكل المال بالنسبة لي حتى جزءا من اهتماماتي، اهتماماتي هي بما أعمل، همي هو أن أجيد ما أعمل، وفكرة عدم انشغالي بالمال على الرغم من أنّها فكرة غريبة على بعض الناس، دفعتني أن أضع كل قلبي وعقلي فيما أعمل.

 

* ما السبب الذي جعلك عاشقا للقراءة؟

- ارتبطت بالقراءة من سنّ صغيرة، حظي وأنا في عمر 10 سنوات دخلت أمي إلى غرفتي ووجدتني أقرأ في مجلة للأطفال، وتمسك في يدها كتاب «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، فقالت لي، وهي العالمة بابنها وتعرف كيف تستفزه بإيجابية، باللهجة المصرية «يادوبك على قدك»، فهمت أنّها تنظر لي كطفل صغير، أخذت كتابها الذي في يدها «عودة الروح» وقرأته كاملا في ليلة واحدة ومن يومها وأنا في حالة زواج مع الكتب.

 

الدكتور طارق حجي خلال حديثه بالبرلمان البريطاني

 

* وصفت وصول الإسلاميين للحكم في بعض الدول العربية بأنه الوسيلة الوحيدة لتحجيم هذا الوحش، هل برأيك طُويت صفحة الإسلاميين، وهل كُشفت حقيقتهم أمام الشعوب العربية؟

- أولا، لا زلت أرى أن وصول الإسلاميين للحكم في بلد مثل مصر، على سبيل المثال، مفيد جدا، لأنه جعل الكثيرين يكتشفون أنّ قادة الإخوان المسلمين هم رجال سياسة فقط، وأن الدين ليس إلاّ أداة جذب للناس، ولكن في الحقيقة لم تطوَ بعد صفحة الإسلاميين لأنها أكبر معركة بالنسبة لشعوب منطقتنا.

في شعوب منطقتنا قال الحبيب بورقيبة منذ عقود: في معظم المجتمعات العربية، توجد قوتان، قوّة فوق الأرض وقوة تحت الأرض، قوة فوق الأرض عادة هي الفرد الحاكم أو الجيش، وتحت الأرض هم الإسلاميون، هذه المعادلة لا تنتهي في يوم وليلة، ولكن ربما طويت صفحة حكم الإسلاميين في المنطقة، وإن كانت غزة ستبقى استثناء لأنّهم متمكنون إلى أبعد حدّ في القطاع.

لكن العبرة قد نكون على مشارف رؤية نهاية حكم الإسلاميين ولكن ثقافة الإسلاميين وتغلغلهم وتشعبهم في المجتمع ما زال خطرا موجودا وقائما ويحتاج إلى مواجهة ثقافية تعليمية، إعلامية وليس إلى مواجهة أمنية، وهي الأسهل، لأنّك بالعصى تستطيع أن ترهب الناس، ولكن ليس بالعصى تغيّر مفاهيم الناس، لذلك أعتقد نحن في وسط المعركة مع الإسلاميين، وأكبر مثال على ذلك ما يحدث في لبنان فهو محكوم من حزب الله الحزب الشيعي الذي لا يؤمن بفصل الدين عن الدولة.

 

* كيف تقرأ ما حدث مؤخرا في تونس، وهل انتهى حكم الإخوان إلى غير رجعة في العالم العربي؟

- في تونس المعركة مستمرة قد تبدو لنا اليوم في صالح العلمانيين، ولكن لو قلنا إنّ المعركة انتهت هذه مبالغة، ولكن إذا انتصر البورقيبيون أي العلمانيين في تونس ستكون خطوة رائعة.

أعتقد أنّ حكم الإخوان في مصر انتهى إلى غير رجعة، وفي تونس، لا نستطيع أن نجزم أن حكم الإخوان انتهى إلى غير رجعة حتى الآن، فالإخوان بقيادة حزب النهضة، لم يلجأوا إلى العنف في الشوارع ولكن هذا وارد، وإن لجأوا إلى العنف فلن يكون أمرا سهلا.

 ولكن المجتمعات العربية ليست متشابهة، مثلا في السودان على الرغم من وجود حكومة تبدو عصرية لكن بقايا عمر البشير والإخوان لم يندثروا بعد، في مصر مثلا هناك 13 مليون مصري أعطوا أصواتهم لمحمد مرسي لا أتخيل أنّهم تحولوا فكريا، ولنفترض أنّ نصف هؤلاء تحولوا فكريا، فهناك النصف الثاني يؤمنون بهذا الفكر، وهذا خطر قائم، لذلك المعركة طويلة ولا يمكن أن ننتصر فيها إلا بالتعليم والثقافة.

لذلك نحن بعيدون عن أن يتحول فكر الإخوان إلى أقلية، الثقافة العامة في المجتمعات العربية عمودها الفقري ديني، المسيحي المصري ليس علمانيا أيضا، لا يمكن مثلا أن يقبل بقانون عصري للزواج، لذلك الرحلة طويلة، لأنّ الدين هو الثقافة الأسهل للعامة، نحن نبدأ المعركة ونحن شبه خاسرين، مثلا عدد المساجد في مصر، بحسب الأرقام الكثيرة التي وصلت لي، أقلّها 200 ألف مسجد، ولدينا في السنة 52 أسبوع أي لدينا سنويا بين 10 و11 مليون خطبة جمعة، من يستطيع أن ينافس بسهولة هذا الكم من الخطب، ومن لديه هذا الكم من المنابر.

 

* ولكن لماذا تعتبر أن وجود هذا الكم من المساجد يمكنه أن يؤثر سلبا على المجتمع؟

- لأن خطب الجمعة في صغري كانت دينية، الآن على الأقل هي شبه سياسية، ولو أن الخطب تقتصر على الدين والأخلاق، فليس هناك أي مشكلة، ولكنهم يتحدثون على منابر المساجد بشكل مستمر عن معاداة الحداثة بشكل مباشر وغير مباشر، ويظهرون عداءهم للمرأة العصرية وأحيانا ضدّ عمل المرأة، ودائما برأيهم المرأة يجب أن تكون في خدمة الرجل، والمرأة عند معظم رجال الدين وليس كل رجال الدين لديها وظيفتان هما الإنجاب والمتعة، ونشر مثل هذه الثقافات بشكل مستمر وكثيف هو أمر خطير في المجتمع.

رجل الدين في مصر ليس محايدا وغالبا في معظم الدول العربية، هو جزء من منظومة الفكر الإسلامي، وإذا تغيّر الحال كما يتغير بالأمر، وأنا لست متأكّدا من جدوى التغيير بالأمر، نحن جميعا رأينا نموذجين لمجتمعين علمانيين مسلمين، تركيا وتونس، تمّ في البلدين منع تعدد الزوجات، ومنع تطليق الرجل لزوجته شفويا وإنما المحكمة هي التي تطلق، وأيضا مساواة الرجل والمرأة في الميراث، ولكن في عام 1980 انتخب الأتراك رجلا إخوانيا وقد يكون مرشد الإخوان في المنطقة، كذلك في تونس وصل حزب النهضة إلى الحكم وأصبحت تونس تحكم من قبل الغنوشي، هذا يعني أنّ هناك خطأ، لأن التغيير لم يأت عبر التعليم والتوعية والثقافة.

 

* ما رأيك فيمن يقول إن الحكم في مصر مغلف بالعلمانية؟

- المصريون اختاروا المؤسسة العسكرية، وما حصل يوم 3 يوليو (تموز) 2013 ليس له إلا وصف واحد أنه كان مدعوما بإرادة شعبية.

في الحقيقة هناك أحزاب في مصر ولكنها صغيرة بشكل مضحك، لا تستطيع الحصول على صوت واحد في الانتخابات، ناهيك عن أن العقل المجتمعي المصري غير مستاء من الجيش، يختلف عن العقل المجتمعي السوري الذي كان أبعد ما يكون عن الرضا عن الجيش باستثناء العلويين، أما في مصر فهناك رضا لأنه متأكد من أنه لا بديل.

ولو عرض عليّ الآن أن أكون رئيس جمهورية مصر، طبعا لن أقبل، لماذا؟ لأن أدواتي غير موجودة. فماذا أفعل أنا بدون أدوات أمام مخاطر الحدود الشرقية مع غزة، وأمام مشكلة النيل، والهجوم الإخواني الذي كاد أن يأتي من الغرب أي من ليبيا.

باختصار توجد قوّة واحدة قادرة على حكم مصر هي الجيش، ولكن البديل هو أن تذهب إلى حضن الأصولية وهنا النهاية.

 

* كيف تقرأ وصول طالبان مجددا إلى الحكم في أفغانستان، البعض اعتبره انتصارا للإسلام السياسي، وآخرون اعتبروه مقدمة لمستقبل قاتم في المنطقة خصوصا مع انسحاب الولايات المتحدة؟

- وصول طالبان مجددا إلى الحكم كارثة وهو يؤشر إلى مستقبل قاتم في بعض البلاد، وهناك مثال آخر على سياسات أميركا الشديدة الخطورة، زرت منذ أيام سفير الولايات المتحدة في لندن، وسألته: هل إيران عدوتكم؟ قال نعم. قلت له لماذا سلمتم العراق لإيران، أنا عاجز عن فهم تسليم العراق ليصبح النفوذ الإيراني أقوى نفوذ في العراق. لذلك أرى أنّ السياسة الأميركية الخارجية فيها عطب ومن أكثر الأشياء التي فاجأتني هو أن الجيش المصري الذي كان يسلح قبل عام 2014 من الولايات المتحدة بنسبة 100 في المائة يسلح الآن بنسبة 50 في المائة من فرنسا وإيطاليا وألمانية وروسيا لأن التبعية لها علاقة بالتسليح.

 

 

* ولكن كيف ترى مستقبل المنطقة؟

- ما يحدث في السعودية مذهل بالنسبة لي، لم أتخيل يوما من الأيام أن أرى هذا التغيير الإيجابي والتطور، الطبقة الوسطى المتعلمة سعيدة جدا بهذه التغيرات.

أما بالنسبة لباقي دول المنطقة فهناك إشارات طيبة وإشارات سيئة بمعنى أن الوضع في مصر والسودان ودول الخليج والمغرب طيب نسبيا، وباقي الدول سيئ نسبيا، لا أرى ما يدفعني للاعتقاد بأن مستقبل العراق سيكون جيدا، وليبيا أيضا جميع الاحتمالات واردة.

متفائل لتونس ولمصر والسودان ونسبيا لدول الخليج والسعودية، لا أرى حلا لسوريا ولبنان بسبب التغلغل الإيراني، فهل يعقل مثلا أن يكون في لبنان حزب مسلح تابع لإيران لا تقل قوته العسكرية عن قوة الجيش إن لم يكن أكثر!

 

مع جيهان السادات في مجلس اللوردات البريطاني

 

* هل تؤيّد اتفاقات السلام التي جرت بين إسرائيل وعدد من الدول العربية؟

- أؤمن بأن الصراع العربي الإسرائيلي كان يجب من البداية أن لا يكون صراعا دينيا وأن لا يكون صراعا عسكريا، إذا كان صراعا دينيا فالعالم سيكون أقرب إلى التعاطف مع اليهود، وإذا كان صراعا عسكريا، فإن إسرائيل ستكسب بالطبع، لأن إسرائيل رافد من روافد الغرب في المنطقة، نحن جميعا في الدول العربية نشتري طائرة «f16» من الولايات المتحدة، أقصى ما نقوم به هو قيادتها، وفي المقابل الإسرائيليون يقومون بتعديلها، لأنهم جزء من الحضارة الغربية، سكان إسرائيل ليسوا شرق أوسطيين، هؤلاء ما بين أوروبي وأميركي.

أمّا بالنسبة للصراع السياسي فنحن لم نخضه إلا قليلا في زمن الرئيس الراحل أنور السادات، واستطاع أن يسترد أرضه.

العلاقة بين إسرائيل والإمارات والبحرين وقطر والسودان والمغرب، هي نتيجة طبيعية للسياسة الدولية، لأننا لا نستطيع أن نحصل على أكثر من ذلك، صلب المشكلة العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كلاهما لا يريد حلا ولكن الإسرائيلي يداري ذلك، أمّا الفلسطيني فهو واضح، حماس والجهاد وأبو مازن جميعهم واضحون أنّهم لا يريدون حلا.

 

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 أعلنت الأمم المتحدة في قرار من قراراتها تقسيم فلسطين الداخلية، إلى تقريبا 50 في المائة دولة عربية ومثلها يهودية، لو عرض على كل العرب الآن قرار 47 لقبلوا الأرض حمدا وشكرا، فالذين رفضوا قرار التقسيم آنذاك رفضوا الحل السياسي، ولجأوا للحل العسكري، وهو أغلب الظن كان في صالح إسرائيل في معظم الحالات، لذلك، التفكير في الموضوع يجب أن يكون بلا عاطفة، بورقيبة قال لجمال عبد الناصر هل تستطيع أن تكسب إسرائيل عسكريا، رد عبد الناصر قال لا، بسبب وقوف أميركا مع إسرائيل، فقال بورقيبة إذن ليس أمامك سوى التفاوض، ولم يفعل، ولكن في أخريات حياته، قَبِل مبادرة روجرز، وهي بداية التفاوض بين مصر وإسرائيل، وقد مهّد للتفاوض في السنوات الثلاث الأخيرة من حياة عبد الناصر وكان الفلسطينيون يشتمون عبد الناصر وقتها.

إذن الصراع العربي الإسرائيلي يجب أن يقبل العرب بأنّه صراع سياسي، الانتصار ليس فقط أن الطرف الآخر لا يقتلك، كما ادعى حزب الله في لبنان، عام 2006 في حرب تموز، حينها استطاعت إسرائيل تدمير بنية لبنان التحتية، وكانت تكلفة تلك الحرب على لبنان كبيرة جدا.

 

* في عام 2015 كان لك تصريح مثير للجدل، قلت فيه إن ما يسمى إسلام حاليا هو مجرد تراث، هل ترى أن الممارسات الدينية لا تمت إلى الإسلام بصلة، وهل نحن بحاجة إلى تجديد الخطاب الديني لكي نصل إلى مرحلة اندثار هذا التراث؟

- أرى أن الجزء الديني الروحاني في الإسلام ليس محط اهتمام الإسلاميين، ولكنهم يهتمون كثيرا بالجوانب المتعلقة بالأمة الإسلامية وتطبيق الشريعة، هذه الأمور أساسها نصوص تراثية أكثر منها نصوص دينية، هذه النصوص التراثية تحتاج إلى مراجعة، ولكن عندما قال الرئيس السيسي لا بدّ من مراجعة الخطاب الديني، خرج الأزهر ليقول ما معناه: لا يوجد أي احتياج لتجديد الخطاب الديني.

وعندما لجأ الرئيس إلى فكرة موضوعية بسيطة هي إلغاء الطلاق الشفوي في مصر، أفشلوه، وقالوا له إنّ الطلاق في مصر أصل من أصول الدين. وبالتالي فأنا أرى أن المشكلة هي أن المؤسسات الدينية في معظم البلاد الإسلامية، تلونت، وصارت صاحبة نفوذ سياسي.

الآن السعودية أكثر رغبة في تجديد الخطاب الديني من مصر، وأكثر إحرازا للتجديدات من مصر، الأزهر يمثل قوة سياسية مستقلة في مصر، وأنا عندما قلت لو كان الأمر بيدي لأوقفت تمويل الأزهر فالدولة المصرية تدفع سنويا للأزهر أكثر من مليار دولار، فطالما أنّه يموّل من الدولة عليه أن يلتزم بسياسات الدولة ولكن هذا لم يحدث، وكان ردّ الأزهر حينها، تخصيص مجلة كاملة تصدر عنه اسمها «صوت الأزهر» من 24 صفحة للهجوم علي لأنني مسكتهم من «إيدهم اللي بتوجعهم».

 

* ولكن برأيك لماذا لا تتخذ الدولة مثل هذه القرارات؟

- أعتقد رغبة في عدم الدخول في حالة صدام مع المؤسسة الدينية، لكنني أعتقد أيضا أنّ الدولة ستأخذ بأساليب متدرجة. فتجديد الخطاب الديني يعني تقليل المسافة بين الفكر الإسلامي والعصر وهذا التقليل مرفوض بالنسبة لهم.

 

* أهم محاور كتاباتك تهدف للرقي بمكانة المرأة والمصريين غير المسلمين، كيف تقيم دور المرأة والأقباط في مصر، ما الذي يجب أن تقوم به الدولة المصرية لتحسين مكانتهم في المجتمع؟

- بلا شك أنّ الدولة المصرية ليست عادلة تجاه المرأة وتجاه المسيحيين، المرأة يقال عنها إنها نصف المجتمع وهذا عبث، هي نصفه عمليا ولكنها أم ومربية للنصف الآخر، فإذا كانت مشوهة التفكير أو كانت عقليتها عقلية جارية تابعة، فسينعكس هذا على ابنها الذكر، بالتالي لا يمكن تقدّم أي مجتمع إلا بتقّدم كل أبنائه، فإذا كانت المرأة نصف المجتمع عدديا وأمّ النصف الآخر فكل ما يحدث لها من رقي فكري ينعكس على المجتمع وكل ما يحدث لها من هبوط وتأخر فكري ينعكس بنفس القدر على المجتمع.

مجتمعنا ثقافته ذكورية، وثقافته الدينية ذكورية، وعدد النساء اللواتي يدعمن الثقافة الذكورية كبير على طريقة متلازمة استكهولم، لن نكون شعبا عصريا ولا مجتمعا متقدما إلاّ إذا كان للمرأة نفس حقوق الرجل السياسية والمجتمعية، والمرأة ليست مملوكة للرجل، وهذا التغيير يجب أن يتم عبر القانون، لأن في داخل كل رجل شرقي ثقافة ذكورية على أنّه اليد العليا.

 

 

لذلك نريد مرجعية تشريعية قانونية تضمن للمرأة كل حقوق الرجل الدستورية والقانونية والسياسية، وعلى نطاق العمل الواقعي نريد أن نرى نساء على الأقل في 50 في المائة من المناصب، نفس الشيء ينطبق على المسيحيين، علينا أن نعترف أنّهم مواطنون مصريون من الدرجة الأولى لهم حقوقهم الدستورية والقانونية والمجتمعية والسياسية، إذا سلّمنا بذلك، كان علينا أن نسأل أنفسنا هل هم يحظون بفرص متساوية مع المسلمين، في الحقيقة لا، السفارات الغربية جميعها تتحدث عن عدد ما بين 17 و18 مليون قبطي مصري، إذا كان 15 في المائة من الشعب المصري مسيحيا، هل هم في 15 في المائة من المناصب، منصب العمداء ورؤساء الجامعات... طبعا لا، لذلك نراهم ناجحين في التجارة وإدارة الأعمال فعدد كبير من أغنياء مصر هم من الأقباط.

 

مع الرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 1986

 

 

* لديك علاقة مميزة مع البابا شنودة، هل يعتبر من الشخصيات الاستثنائية التي أثرت على حياتك الفكرية؟ وما سرّ هذه العلاقة التي تجمعكما؟

- كنت شابا في زمن ما قبل البابا شنودة وأنا الآن أعرف البطريرك الحالي توادروس، ولكن علاقتي بمن كان قبل البابا شنودة ومن جاء بعده لا تقارن بعلاقتي بالبابا شنودة، أنا لم أكن أعرفه كبطريرك، أنا أعرفه كإنسان، كان شاعرا لديه دواوين شعر كان سياسيا ومدرسا للتاريخ كان أديبا، جمعتني به علاقة ثقافية وكنت أعجب بعلاقته باللغة العربية، علاقة نادرة المثال، هو يتقن اللغة العربية مثل العرب الأوائل، ولديه ديوان شعر رائع.

كان أول لقاء بيننا في فبراير (شباط) 1987 واستمرت هذه العلاقة 35 سنة إلى حين وفاته، كل لقاءاتنا في دير الأنبا بيشوي في الصحراء، قابلته نحو 100 مرة، كنا نلتقي لساعات نجلس تحت الشجرة نتحدث عن المعري والمتنبي والبارودي  وشوقي هذا الرجل كان متيّما بجبران خليل جبران ويعرف كل كتاباته، العلاقة بيني وبينه كانت علاقة ثقافية في المقام الأول وحب للأدب، ولكن لم نتكلم مرة واحدة في الدين.

وتخليدا لهذه اللقاءات كتبت كتابا لم ينشر بعد اسمه «بلا نظير» تيمنا باسم البابا شنودة الحقيقي وهو نظير جيّد، وأتناول في الكتاب لقاءاتنا والحوارات التي كانت تدور بيننا، وعلاقته مثلا بعبد الناصر وعلاقته المتأزمة بأنور السادات، وأحوال المسيحيين في مصر منذ زمن الملكية.

 

 

طارق حجّي

 

 مفكرٌ مصريٌّ يعتبره كثيرون على رأسِ التنويريين المصريين. له 34 كتاباً صدرت باللغاتِ العربيةِ والإنجليزيةِ والفرنسيةِ والإيطاليةِ. حصل فى 2008 على جائزة Grinzane Cavour الإيطالية والتي تعد من أهمِ الجوائزِ الثقافيةِ الأوروبية. أطلقت جامعةُ تورونتو (كبرى جامعات كندا) اسمه على «منحة طارق حجّي للماجستير والدكتوراه في العلاقاتِ التاريخيةِ بين المسلمين واليهود». سابقاً. وحالياً: عضو (منذ 2012) في المجموعة الاستشارية VALDAI التي أسسها ويحضر كل اجتماعاتها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. تم اختياره لعضويةِ مجالسِ إداراتِ ومجالسِ أمناءِ أكثر من ثلاثين جمعية وكلية وجامعة ومؤسسة من بينها عضويته بلجنة العلوم الإدارية بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر ومجلس أمناء الجمعية العربية للإدارة، ومجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (والتي يوجد بين أعضاء مجلس إدارتها سمو الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة)، ومجلس أمناء جامعة العلوم الحديثة والآداب MSA))، ومجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الثقافية والاجتماعية، ومجلس إدارة جمعية النهضة بالتعليم، ومجلس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة… وغيرها.

دعي كمحاضرٍ بعددٍ كبيرٍ من الجامعات ومراكز البحوث الأميركية مثل جامعة Oxford وجامعة لندن وجامعة Princeton وجامعة Columbia وجامعة California Berkeley وعشرات الجامعات الأميركية والأوروبية واليابانية التي يصعب حصرها في هذه السيرة الموجزة، كما حاضر بعددٍ من البرلمانات مثل البرلمان البريطاني (عشرٍ مرات) والكونغرس الأميركي ومجلس النواب الإيطالي والبرلمان الأسترالي، كما حاضر في أهم مراكز بحوث الشرق الأوسط فى العاصمة الأميركية. بجانب أنشطته الثقافية والفكرية والأكاديمية العديدة، فهو من خبراء السياسات البترولية الدوليين وشغل خلال السنوات من 1988 إلى 1998 منصب رئيس شركات شل العالمية للبترول في مصر، وخلال السنوات من 1993 إلى 1998 أشرف على شركات شل في Major Resource Holders.

عمل بالتدريس الجامعي فى مستهل حياته العملية، في جامعة قسنطينة بالجزائر من 1973 إلى 1976 وفي جامعة فاس بالمغرب من 1976 إلى 1979.